الشنقيطي
39
أضواء البيان
كالسواد والبياض ، والحركة والسكون . أو المتضائفين كالأبوة والبنوة ، والفوق والتحت . أو العدم والملكة كالبصر والعمى . فإن الوجود والعدم لا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد من جهة واحدة ، وكذلك الحركة والسكون مثلاً . وكذلك الأبوة والبنوة . فكل ذات ثبتت لها الأبوة لذات استحالت عليها النبوة لها ، بحيث يكون شخص أباً وابناً لشخص واحد . كاستحالة اجتماع السواد والبياض في نقطة بسيطة ، أو الحركة والسكون في جرم . وكذلك البصر والعمى لا يجتمعان . فخيلوا لهم أن التقدم والتمسك بالدين متباينان تباين مقابلة ، بحيث يستحيل اجتماعهما . فكان من نتائج ذلك انحلالهم من الدين رغبة في التقدم . فخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين . والتحقيق أن النسبة بين التقدم والتمسك بالدين بالنظر إلى العقل وحده ، وقطع النظر عن نصوص الكتاب والسنة إنما هي تباين المخالفة ، وضابط المتباينين تباين المخالفة أن تكون حقيقة كل منهما في حد ذاتها تباين حقيقة الآخر ، ولكنهما يمكن اجتماعهما عقلاً في ذات أخرى . كالبياض والبرودة ، والكلام والقعود ، والسواد والحلاوة . فحقيقة البياض في حد ذاتها تباين حقيقة البرودة ، ولكن البياض والبرودة يمكن اجتماعها في ذات واحدة كالثلج . وكذلك الكلام والقعود فإن حقيقة الكلام تباين حقيقة القعود ، مع إمكان أن يكون الشخص الواحد قاعداً متكلماً في وقت واحد . وهكذا . فالنسبة بين التمسك بالدِّين والتقدم بالنظر إلى حكم العقل من هذا القبيل ، فكما أن الجرم الأبيض يجوز عقلاً أن يكون بارداً كالثلج ، والإنسان القاعد يجوز عقلاً أن يكون متكلماً ، فكذلك المتمسك بالدين يجوز عقلاً أن يكون متقدماً . إذ لا مانع في حكم العقل من كون المحافظ على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه ، مشتغلاً في جميع الميادين التقدمية كما لا يخفَى ، وكما عرفه التاريخ للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان . أما بالنظر إلى نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى : * ( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ) * ، وقوله : * ( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ ) * ، وقوله : * ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) * ،